المقريزي

31

المقفى الكبير

وكانت الحواة بأعمال مصر تتقرّب إليه بما تصيده من ذلك فيثيبهم عليها . وكان له وقت يجلس فيه على دكّة مرتفعة ، ويدخل المستخدمون والحواة فيخرجون ما في السلل ويطرحونه على ذلك الرخام ، ويحرّشون بين الهوامّ ، وهو ينظر إليها « 1 » . 1078 - جعفر بن فلاح [ - 360 ] « 2 » [ 383 أ ] جعفر بن فلاح بن مروان [ . . . ] ، أبو الفضل ، الكتاميّ : من أرقى الكتاميّين بيتا وأجلّهم قدرا . كان أبوه قائدا جليلا ، ولي مدينة طرابلس ، وبرقة وباجة . وكان حسن السيرة في الرعيّة . مات في رجب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة . ونشأ ابنه جعفر بالمغرب في خدمة المعزّ لدين اللّه . وهو أحد الجعفرين اللذين أرشد ابن هاني الشاعر الأندلسيّ إليهما ، فإنّه ، لمّا امتدح جوهر القائد ، أعطاه مائتي درهم فاستقلّها وسأل عن كريم يمدحه فقيل له : عليك بأحد الجعفرين : جعفر بن فلاح وجعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسيّة ، فمدح جعفر بن فلاح فأعطاه مائتي دينار . ومن شعره فيه [ البسيط ] : كانت محادثة الركبان تخبرني * عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر حتى رأيت ، فلا واللّه ما سمعت * أذناي بالعشر ممّا قد رأى بصري « 3 » ثمّ انتقل إلى جعفر ابن الأندلسيّة وهو يومئذ أمير الزاب ، فلم يزل عنده إلى أن استدعاه المعزّ لدين [ للّه ] ، فبعث به إليه في جملة تحف وطرائف . ولمّا جهّز المعزّ لدين اللّه القائد جوهر من بلاد المغرب لأخذ مصر ، سار معه جعفر بن فلاح إلى أن وافت العساكر الجيزة ، وقد نزل الإخشيديّة بالجزيرة التي تعرف اليوم بالروضة لقتال جوهر ، وضبطوا الجسرين « 4 » ، وتقدّم منهم عدّة إلى الجيزة . فلمّا شاهد جوهر ذلك عاد إلى منية شلقان ، فعبر [ إلى ] مصر من هناك . وبعث فاستقبل المراكب الواردة من تنيس ودمياط وأسفل الأرض فأخذها . وتولّى العبور إليهم جعفر بن فلاح عريانا في سراويل ومعه جمع من المغاربة ، فوقع القتال ، وقتل خلق من المصريّين . وكان الفتح ، ودخول جوهر ، وبناية القاهرة في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة « 5 » . فأقام جعفر بن فلاح بالقاهرة إلى ثاني عشر المحرّم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة . وسار إلى الشام في عسكر كبير إلى أن قدم الرملة ، وبها الحسن بن عبيد اللّه بن طغج وجعفر القرمطيّ « 6 »

--> ( 1 ) هذا الوزير الخطير ذو الشخصيّة القويّة قد لفت انتباه جلّ المؤرّخين والمترجمين ، وقد اعتبروا فيه تعدّد الاهتمامات من رواية الحديث والحنكة السياسيّة والارتياح لملاحظة الهوامّ والحشرات ورووا عنه في هذه الهواية الغريبة الطرائف والنوادر . ولا شكّ أنّه مهّد لاقتحام الفاطميّين أرض مصر . والدليل على تواطئه معهم المعاملة الخاصّة التي عامله بها جوهر أثناء المفاوضات مع الوفد المصريّ . هذا وقد خصّصت دائرة المعارف الإسلاميّة فصلا مطوّلا لأسرة ابن الفرات الوزيريّة ولا سيّما للمترجم له هنا ، ولوالده الوزير العبّاسيّ . ( 2 ) وفيات 1 / 361 ( 138 ) ؛ الداعي بإدريس : تاريخ 691 ؛ أمراء دمشق 210 . وفي بعض هذه المصادر ، كنيته أبو علي ، وعليّ ابنه معروف . ( 3 ) البيتان ينسبان أيضا إلى أبي تمّام ، مع اختلاف . وانظر طبعتنا لديوان ابن هاني 2 / 170 . ( 4 ) هما جسرا الفسطاط والجيزة ( الخطط 2 / 170 ) . ( 5 ) هذه الأحداث مفصّلة في ترجمة جوهر ، رقم 1102 . ( 6 ) في المخطوط : ابن القرمطيّ ، والإصلاح من الاتّعاظ وممّا سيأتي .